Tuesday, January 7, 2014

ثــــــــــــــورة 1919



ثــــــــــــــورة 1919
كان ذلك ليلة اليوم الثامن من شهرمارس 1919، وكنت ذلك اليوم مسافرا الى قاهرة لألقي محاضرات بالجامعة المصرية صبيحة 9 من مارس. وكان النبأ بالقبض على الباشوات الأربعة (سعد زغلول وحمد الباسل واسماعيل صد يقي ومحمد محمود) واعتقالهم قد سرى في أنحاء العاصمة وانتقل منها بسرعة البرق الى أنحاء الأقاليم. وكان الجميع، انجليزا ومصريين وأجانب ، ينتظرون ما عسى أن يكون ردّ الفعل لهذاالقرار الذي اتخذته انجلترا إزاء من ينادون باستقلال مصر.
فلما أصبحت يوم 9 من مارس ذهبت في الساعة التاسعة الى الجامعة، وكان مقرّها يومئذ بميدان الأزهار، فاذا هي خلا ليس فيها طالب واحد. وصعدت الى الطابق الأول. فألقيت محمد بيك وجيه سكرتير الجا معة بغرفته المطلة على الميدان.
وكانت سراي البستان حيث يقيم السلطان فؤاد تجاور الجامعة وتطل عليها نوافذ مكتب وجيه بك. فلما دخلت عليه حيّاني وعلى ثغره ابتسامة وقال: أن طلبة الجامعة وطلبة جميع المدارس العليا والثانوية مضربون احتجاجا على اعتقال رئيس الوفد وأعضائه.
جلست اليه أتحد ث معه ، واشرب القهوة عنده. واننا لنتحدث إذ رأينا من النافذة منظرا يأخذ بالأبصار . فقد امتلأ ميدان الأزهار كله بالمتظاهرين  من جميع الطبقات ، طلابا وعمّالا وأفندية، وفي أيدي كثيرين منهم فروع أشجار ضخمة اقتلعوها من الشوارع التي مروا بها . واذاهم يميلون على عربات الترام التي تمرّ بالميدان يحطمونها ويقلبونها. هنالك قلت – لقد اطلق الحيوان الناطق من جميع قيوده.
ولم تمض لحظات بعد ذلك حتى رأينا قوة من الجنود تحاصرالبستان مخافة ان يد خل المتظاهرون أفنيته .ولبث المتظاهرون بميدان الأزهار، ثم اند فعوا الى ناحية شارع قصرالعيني.
فلما خلا الميدان تركت الجامعة ، وذهبت أتصل باخواني في الحزب الديمقراطي وأصدقائي من غيرهم ، لأقف على ما أستطيع الوقوف عليه من انباء الموقف ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى جاءت الأنباء بأن الاضطراب ساد البلاد المصرية كلها ، من الإسكندرية الى أسوان ، وأن ثورة عجبا انتشرت في كل مكان ، وأن خطوط السكة الحديدية  أتلفت وكثيرا من خطوط التلغراف قطعت ، وأن الانتقال من العاصمة واليها أصبح مستحيلا، وأن الأوامر العسكرية صدرت بحظرالانتقال الاّ بترخيص خاص، وأنني ، وقد قطت السكة الحديدية ، لا أستطيع العودة الى المنصورة حيث تركت زوجي وحيدة مع خدمها ، لاتعرف شيئا من أخباري ولا أعرف شيئا من أخبارها لأن المواصلات التليفونية بين مصر والمنصورة قد قطعت كذلك .
شغلت وحدة زوجي بالمنصورة بال أبويها، وكانت نازلا عندهما ، وشغلت كذلك بالي. فلم يكن في مقدور أي منا أن يتصل بها بالتليفون أو بالتلغراف أو بأية وسيلة أخرى. فما ترى يكون شأنها هنالك في جولا ندري مدى اضطرابه بأ سباب الثورة ؟
لكن اشتغال بالي لم يستأثر بشيء قلّ أو كثر من تفكيري ولا من مجهودي، في هذا الوقت العصيب الذي كانت الأنباء ترد فيه بين ساعة وأخرى بوقوع اشتباك بين الجنود الانجليز والمتظاهرين المصريين بالقاهرة، اشتباك تجسم الأنباء نتائجه من القتلى والجرحى. بل لقد قيل إن الجيش المصري والجيش البريطاني اشتبكا، ثم تبين أنها شائعة لا تستند الى الواقع.
وكانت أنباء الأقاليم تثير أشدّ الاهتمام والدهشة، وكان اهتمامنا ودهشتنا لها يزيدان كل يوم عن اليوم الذي قبله.
تمردت بعض قرى الجيزة القريبة من القاهرة، فعاقبهاالجنود الانجليز باستباحتها وحرقها. وانتشرالخبر بذلك، وترتب على انتشاره أن أحاط الأهالي المصريون بجماعة من الجنودالبريطا نيين وقف بهم القطار بمحطة فقتلوهم ومثلوابهم أشنع تمثيل وشربوا من دمائهم.
وأعلنت بعض الجهات النائية بعض الشيء  عن القاهرة استقلالها، واحتل شبان من المحامين دواوين الحكومة، وتولّوا بأنفسهم أمور الحكم والمحافظة على الأمن والنظام . وأضربنا نحن المحامين في انحاء القطر جميعا احتجاجا على تصرفات السلطة البريطانية وكنا نذهب كل صباح الى منزل سعد زغلول باشا حيث يجتمع أعضاء الوفد، نتلقى من هناك انباء ما حدث بالأمس، ونرتّب عليه نتائجه في تصرفاتنا.
وكذلك اندلع لهيب الثورة وامتد في كل مكان. ولم يقتصر على المتعلمين ولا على الشباب، بل اهتزت به جميع القلوب وتحرّقت استجابة له الجوانح والأفئدة. حتى السيدات اللواتي كن يومئذ محجبات ، أبى عليهن شعورهن الوطني أن يبقين غيرمشتركات في هذه الثورة الوطنية القوية ، فخرجن متظاهرات سيرا على الأقدام الى منزل سعد زغلول باشا الذي أصبح حقا، وفي هذا الظرف، بيت الأمة.
وكذلك تحطمت الفوارق في التفكير والشعور والعمل بين الطبقات. وحرّك ملايين المصريين شعور واحد هو الشعور بالكرامة القومية المهانة، والثورة الصارخة لهذه الكرامة ، والحرص الخالص على التخلص من حكم الانجليز.

Monday, January 6, 2014

الأدب للـــــــشــــــعــــــــــب



الأدب للـــــــشــــــعــــــــــب
هنا لك كلمات تجرى على ألسنتنا أو أقلامنا تحمل دلالات جديدة لم تكن تعرفها الأمم القديمة مثل الشعب، الحرية ، المساواة ، الديمقراطية ، حق الانتخاب ، التعليم المجّاني الخ.
ودلالة هذه الكلمات أن ّ "الشعب" قد برز الى الوجدان السياسي والاجتماعي . فقد كان الحكم في الأمم القديمة تتولاّه طبقة صغيرة حول اللمك أوالإمبراطور. وكان الثراء مقصوراً ايضاً على طبقة صغيرة. وكان الشأن كذلك في التعليم والثقافة.
ومن هنا أيضاً اقتصار الأدب القديم على طبقة خاصة ، ثمّ اشتغال الأديب بشؤن هذه الطبقة دون الشعب. لذلك نحن نقرأ كتب الأدب العربي القديم ،فلا نجد أيّة عناية بالصانع أو التاجر أو المزارع او المرأة ، لأن كل هؤلاء كانوا أمييّن لم يتعلّموا. ولذلك نجد أن المؤلفين كانوا يعنون بقصص الملوك والامراء، وبما يجب عليهم من الواجبات السياسية للرعية.
كما نجد آلاف النصا ئح والوصايا والحكم من الملك سليمان الى أردشير الى الاسكندرالى معاوية ، وجميعها في شأن الحكم والحرب والولاية والجود والعفو.وهذه كلها وأمثالها شؤن كانت تهتمّ بها طبقة صغيرة حاكمة.
أما الشعب، الباعة والتجاروالمزارعون والخدم والبناؤون والنجارون، كل هؤلاء لم يكونوا قد ارتفعوا بعد الى وجدان الأدباء فلم يحس هؤلاء بهم.
 ولذ لك أيضاً نجد أن الأدباء القدماء كانوا يكتبون لأدباء مثلهم . ثم كانت تكون مناقشة ما يكتبون في مجالس الأمراء واالملوك وأئمة الدين، لأن أئمة الدين كانوا من الحاكمين والولاة، وكانت الحكومات كلها دينية.
ولذلك نجد أيضاً أن الأدب القديم كان على الدوام أسلوبيا تقليديا ولم يك قط ابتكاريا مستقبليا. وعبارة "قال فلان"ثم عبارة "السلف الصالح" كلتا هما تدل على أن الأديب العربي القديم كان ينشد الحكمة خلفه وليس أمامه . وكان ما يكتبه للخاصة، بل أخص الخاصة التي تعلمت مثله ودرست ثقافته ونزعت نزعته . كا نت تستند الى هذا الماضى والى احترام عاداته ولغته. فجذبت اليها الأدباء الذين يؤيدون سلطانها.
وعندما نقرأ " البيان والتبين" للجاحظ، أو أشعار المتنبي أو" الكامل" للمبرد، نحس أننا إزاء أدباء، إما يعيشون في بلاط أحد الأمراء، وإما يستندون في حياتهم الذهنية الى تقاليد لغوية وأدبية ودينية وسياسية تمت الى بلاط أحدالأمراء. أما الشعب فلايحسون أيّ وجدان له.
ولكن هذا القول لايمكن أن يذهب على إطلا قه . ففي فترات من تاريخ الأمم العربية انتشرت التجارة، بل انتشر شيء من الصناعة ،وخاصة في مصر والعراق . فظهر كتاب "ألف ليلة وليلة" وهو كتاب لشعب يكبر من شأن التاجر" السندباد" ويزوّد قرّاء الفقراء بأحلام الجائع أى وصف حياة الأثرياء والملوك والأمراء. ولكن هذه النزعة لم ترتق الى النضج لأن عوامل القوة لم تتوافر للشعب.
ولكن الشعب العربية في أيامنا عرفت أعظم كلمة من كلمات القرن العشرين كلمة" الديمقراطية" ومع أن بعض السيا سة في مصر قد عبثوا بها فان عبثهم سيذهب هباء وتمكث هي في الأرض.
الديمقراطية، الشعب، المساواة، التعليم العام، كلمات ميمونة. وبسبب هذه الكلمات الميمونة عاد التاجر الى الظهور وأوشكنا أن نعرف مقام الصناعة وظهرت الصحف فأخصبت حياة الشعب. وصار النجار والبقال والتلميذ، بل أحياناً المزارع هذا الرجعيّ العريق في رجعيته أصبح كل هؤلاء يقرأون وتنفسح أذهانهم  في آفاق رحبة من السياسة والأدب الاجتماع. وزوّدتهم الصحف بكل ذلك ولكن على مستوى منخفض وتعلم الصحفيون لغة جديدة يكتبون بها ليست هي أردشير " الذي أوصى ابنه فقال......"وإنما هي لغة الشعب.
يقول الفرنسيون، ويحسنون عندما يقولون، ماليس واضحاً ليس فرنسيا " لأن الوضوح هو المنطق. والكاتب الواضح هوالكاتب الفاهم ، وعندما يفهم الكاتب يفهم القارئ، وعند ئذ يكون التجاوب ويكون الاختمار الذهني.
كان فولتير يقول عن نفسه كلمة أحب ان أقولها عن نفسي وأفخربها " لست عميقا ولكني على الدوام واضح" لغة الشعب، لغة الصحافة ، يجب ان تكون لغة الوضوح. وعلينا نحن الكتاب ان نهدف الى بلاغة شعبية جديدة ، فننزل الى الشعب قبل ان نرفعه الينا. بل اننا لن نستطيع ان نرفعه الينا إلاّ اذا نزلنا اليه. ويجب أن نهدم الحاجز الذي يفصل بين الشعب والأدب باتخاذ الأسلوب الميسرة والكلمة المألوفة. ويجب أننأى به عن اردشير ونحدثه عن أينشتين وعن إلغاء الفقر والجهل والمرض. وعن حق الشبّان في السعادة وحق المرأة في الإنسانية.
يجب أن نؤلف المقالة والقصة والكتاب للشعب ونعرض على شباننا الآداب والفنون التي تخصب حياتهم وترفعهم من الاهتمامات الشخصية والوضعية الى المشكلات الاجتماعية والبشرية حتى يحيوا الحياة التاريخية وحتى يحس كل منهم أنه بطل له رسالة وله شرف.
رسالة وشرف . أيّ شيء في الدنيا أعظم من هذا؟

Sunday, January 5, 2014

مـــحمـــــود ســــامــــي البــــــارودي



مـــحمـــــود ســــامــــي البــــــارودي
حيا ته وأسرته
محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري شاعر عربي ولد في 6 أكتوبر عام 1839 م في حي باب الخلق بالقاهرة لأبوين من الجراكسة، وجاءت شهرته بالبارودي نسبة إلى بلدة "إيتاي البارود" التابعة من سلالة المقام السيفي. وكان أجداده ملتزمي إقطاعية إيتاي البارود بمحافظة البحيرة. نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا لواء، وعُين مديرًا لمدينتي "بربر" و" دنقلة " في السودان، ومات هناك، وكان ابنه محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.
تعليمه
تلقى البارودي دروسه الأولى في بيته، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، وهو في الثانية عشر من عمره.
أتم دراسته الابتدائية عام 1851 م ثم التحق بالمرحلة التجهيزية من المدرسة الحربية المفروزة وانتظم فيها يدرس فنون الحرب، وعلوم الدين واللغة والحساب والجبر وتخرج من المدرسة المفروزة عام 1855 م ولم يستطع استكمال دراسته العليا، والتحق بالجيش السلطاني.
وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج برتبة "باشجاويش" ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية، ولما سافر الخديوي إسماعيل إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر بعد غيبة طويلة امتددت ثماني سنوات، ولم يلبث أن حنّ البارودي إلى حياة الجندية، فترك معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي
عمل بعد ذلك بوزارة الخارجية وذهب إلى الأستانة عام 1857 م وأعانته إجادته للغة التركية ومعرفته اللغة الفارسية على الالتحاق بقلم كتابة السر بنظارة الخارجية التركية وظل هناك نحو سبع سنوات 1857-1863. ثم عاد إلى مصر في فبراير 1863 م عينه الخديوي إسماعيل معيناً لأحمد خيري باشا على إدارة المكاتبات بين مصر والأستانة.
حياته الجندية:

وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ = 1865م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:
الخديو إسماعيل:
وبعد عودة البارودي من حرب كريت تم نقله إلى المعية الخديوية ياورًا خاصًا للخديوي إسماعيل، وقد ظل في هذا المنصب ثمانية أعوام، ثم تم تعيينه كبيرًا لياوران ولي العهد "توفيق بن إسماعيل" في (ربيع الآخر 1290هـ = يونيو 1873م)، ومكث في منصبه سنتين ونصف السنة، عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتبًا لسره (سكرتيرًا)، ثم ترك منصبه في القصر وعاد إلى الجيش.
ولما استنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا ورومانيا وبلغاريا والصرب، كان البارودي ضمن قواد الحملة الضخمة التي بعثتها مصر، ونزلت الحملة في "وارنة" أحد ثغور البحر الأسود، وحاربت في "أوكرانيا" ببسالة وشجاعة، غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين، وألجأتهم إلى عقد معاهدة "سان استفانوا" في (ربيع الأول 1295هـ = مارس 1878م)، وعادت الحملة إلى مصر، وكان الإنعام على البارودي برتبة "اللواء" والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة، ونيشان الشرف؛ لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة وألوان.
العمل السياسي
بعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في (ربيع الآخر 1295هـ = إبريل 1878م)، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الذي يقوده "جمال الدين الأفغاني" لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، وهي قصيدة طويلة، منها:
غير أن "توفيق" نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.
وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب التي أنشأها "علي مبارك"، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه "محمد عبده" تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.
ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته (25 من رمضان 1298 = 22 من أغسطس 1881م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.
وزارة الثورة
عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في (14 من شوال 1298 هـ = 9 من سبتمبر 1881م)، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في (5 من ربيع الآخر 1299هـ = 24 من فبراير 1882م) وعين "أحمد عرابي" وزيرًا للحربية، و"محمود فهمي" للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.
وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.
الثورة العرابية
تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع "البارودي" الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.
انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في (7 من رجب 1299هـ = 25 من مايو 1882م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.
البارودي في المنفى:
بعد سلسلة من أعمال الكفاح والنضال ضد فساد الحكم وضد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 قررت السلطات الحاكمة نفيه مع زعماء الثورة العرابية في 3 ديسمبر عام 1882 إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا).
أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في "كولومبو" سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى "كندي" بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.
ظل في المنفى بمدينة كولومبو يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه، فسجّل كل ذلك في شعره النابع من ألمه وحنينه. تعلم الإنجليزية في خلالها وترجم كتباً إلى العربية. بعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره فقرر عودته إلى وطنه مصر للعلاج، فعاد إلى مصر يوم 12 سبتمبر1899 م وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد أنشودة العودة التي قال في مستهلها:
وطوال هذه الفترة قال قصائده الخالدة، التي يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (6 من جمادى الأولى 1317هـ = 12من سبتمبر 1899م(.
وفي مداخلة لحفيد البارودي، قال إن جده ظلم كثيرا وعندما عاد من منفاه في سرنديب حيث كان يعيش في غرفة لا تليق به، وقال أن املاكه ما زالت مُصَادرة حتى الآن ولم تردها الحكومة المصرية لعائلته.
أشعار البارودي:
يعتبر البارودي رائد الشعر العربي الحديث الذي جدّد في القصيدة العربية شكلاً ومضموناً، ولقب باسم فارس السيف والقلم. حيث وثب به وثبة عالية لم يكن يحلم بها معاصروه، ففكّه من قيوده البديعية وأغراضه الضيقة، ووصله بروائعه القديمة وصياغتها المحكمة، وربطه بحياته وحياة أمته.
وهو إن قلّد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم، فإن له مع ذلك تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.
وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.
وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها "كشف الغمة"، وله أيضًا "قيد الأوابد" وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و"مختارات البارودي" ومجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو 40 ألف بيت.
محمود سامي البارودي في شعره، ظاهرة جديدة في عصره، حيرت الدارسين وشغلت النقاد في زمنه وبعد زمنه، وما يزال حتي يومنا هذا محط اهتمام الباحثين، ومثار تساؤلات كثيرة: أهو باعث أم مجدد؟ تقليدي أم حديث؟ كلاسيكي أم رومانسي؟ برناسي أم واقعي؟ وما يزال الدارسون يبحثون عن إجابات لتلك التساؤلات، وعن قيمته الفنية في زمنه وفي وقتنا الحاضر.
بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".
وفاته:
ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في (4 من شوال 1322هـ = 12 من ديسمبر 1904م)  بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل استقلال مصر وحريتها وعزتها.
اقوال عن أشعار البارودي:
قال حجازي: هل نقرأ شعر البارودي في ضوء التراث الشعري القديم الذي استلهمه واجتهد في إحيائه؟ أم في ضوء الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي نشطت في مصر والشرق العربي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وما بلورته من أسئلة ومطالب كان علي الجميع أن يشاركوا في السعي لتلبيتها والإجابة عنها، ومنهم الشعراء وفي مقدمتهم البارودي.
وتحدث في إحدى جلسات المؤتمر الشاعر اللبناني شوقي بزيع عن شعر البارودي وشعر جبران، وقال إن المكان الذي نشأ فيه كل منهما اثر كثيرا على ابداعاتهما، وهذا يتجلى في الرصانة الواضحة في شعر البارودي ابن مصر التي تحاول دائما بما لها من دور ضبط الإيقاع العام في المنطقة ومنعه على المستويات المختلفة من الانفلات، أما جبران فقد كان شعره يتسم بالخفة والجموح وهو مستمد من طبيعة البيئة اللبنانية.
واضاف الدكتور فتوح أن البارودي رد إلى المعاصرين بما ابدع من قصائد القدرة على مجاراة الاقدمين بما قدم من معارضات رد بها الاعتبار إلى الشعر المعاصر مما وضعه بعد ذلك في مرحلة الابتكار التي تميز بها ابداع البارودي في منفاه في جزيرة سرنديب.
وقال الشاعر احمد عبد المعطي حجازي ـ مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ـ إن مصر بعد البارودي صارت وطن العربية الأول عندما نتذكر النهضة التي كان دما لها. واضاف أن هذه النهضة لم تكن في عصر البارودي نهضة شعر فحسب لكنها عبرت ذلك إلى الفكرة والعلم والسياسة والاقتصاد، وكما انبعث الشعر العربي من جديد على يد البارودي انبعث النثر على يد المويلحي والموسيقى على يد سلامة حجازي.